الانضباط يصنع قوّة الجيوش وأيضا قوّة الشعوب  العقيد (م) عمر بحروني

الانضباط يصنع قوّة الجيوش وأيضا قوّة الشعوب العقيد (م) عمر بحروني

الانضباط يصنع قوّة الجيوش وأيضا قوّة الشعوب…
الانضباط اصطلاح ذو مفهوم شامل، وهو وليد رياضة النفس على النظام، يحتوي على الكثير من السّمات والعادات والسّلوكيات  الحميدة التي يتحلى بها الشخص، أو التي تسود داخل الجماعة.
ويمكن تعريف الانضباط، بأنه الحالة العقلية والنفسية، التي تجعل الإطاعة والسّلوك الصحيح، أمراً غريزياً في النفس، مهما كانت الظروف. وهو يقوم على أساس الاحترام والولاء للسلطة القانونية. وينشأ الانضباط أساساً من التربية السليمة، ويُصقل بالتدريب واكتساب العادات النبيلة. ويُعَدّْ الانضباط مظهراً أساسياً من مظاهر الحياة العسكرية، ودلائله العامة في الرجل العسكري والوحدة العسكرية: النشاط والحيوية في أداء العمل، والنظافة، والأناقة في الملبس، والأمانة، والنظام، و تجنب الفوضى، وحسن ترتيب المهمات وأماكن الإقامة، وحسن التصرف، وسمو الخلق وعفة اللسان، واحترام الرؤساء، وتنفيذ الأوامر والتعليمات التي يصدرها الرؤساء بنصها وروحها، وبكامل الرضا، وفي أقصر وقت.
وفي مفهومه اللفظي يعني الانضباط الجدية، والالتزام، والدقة، وحسن أداء الواجب، واحترام حقوق الآخرين، والقدرة على التمييز بين ما هو مشروع وجائز وما هو محظور وغير مباح.
والقائد ذو « الانضباط الجيد » هو مَنْ يستطيع أن يؤثر في جماعة من الناس كي تحافظ بنفسها على النظام والانسجام.
وغالباً ما يقع الالتباس بين معنى « الانضباط » ومعنى « الإجبار »:
فالإجبار يستند في تنفيذه إلى السلطات المقررة: كالوالدين، والمعلم، والمدير، والحكومة. فهؤلاء يقولون: « عليك أن تعمل كذا وكذا وإلاّ!  » فالسلطات المقررة تستطيع تنزيل العقاب المادي أو المعنوي لتنفيذ أوامرها. لكن  التجارب أثبتت أن تأثير الإجبار لا يدوم أكثر من دوام المقدرة على استخدام العصا ماديا ومعنويا.
إن كفاءة وقدرة المنظمات، على اختلاف أنواعها وأشكالها، عسكرية كانت أم مدنية، وكذلك الشعوب، تتوقف على تحلّيها « بالانضباط ».
وإنه لمن الأفضل أن يكون مصدر « الانضباط » في المجموعة، منبعثاً مما لدى الأفراد من اقتناع ومن رغبة في العمل ممّا يعوّض عن شحّ الموارد  (اليابان وكوريا الجنوبية وغيرهما كثير أبرز مثال على ذلك) ، وليس مبنيا على الرهبة أو الخوف من العقاب. فالانضباط  ينمو بإتباع أسلوب التوجيه والإرشاد والتعليم، وليس بالعقاب. فإذا كان الانضباط قائماً على التهديد بالعقاب فقط، اتجه الأفراد إلى التكاسل والتحايل حالما يحسّون أنهم في منأى من العقاب. وهكذا، يفقدون القدرة على الابتكار الشخصي والأمانة، ويحتاجون إلى المراقبة الدائمة. ويقتضي الأمر حينئذ أن « نسوقهم » بدلاً من أن « نقودهم ».
فنحن لا نستطيع كبح جماح الجواد إذا سلمناه الزمام. ولهذا يجب أن لا تُترك هفوة واحدة دون تقويمها، ولا أن تقع مخالفة فردية دون المحاسبة عليها، ولا أن يسمح لأحد بأن يبيح لنفسه حرية ليست مقررة، بل يجب مؤاخذته عليها فوراً.
 أما إذا تسامح القائد في هذه الأمور، أو غض الطرف عنها، خرج زمام الجماعة كلها من يده في مدى أيام قليلة. ولذلك، يجب مراقبة الهفوات الصغيرة، وأخذها بالعنف، فإن هذا يمنع كبيرها من الوقوع.
الأعضاء المؤسّسون لحركة « هلمّوا لتونس » هم سليلو « الخرساء  الكبرى » (la grande muette) وهم متشبعون بالإنضباط سلوكا وروحا إلى حدّ التَرَنّخ؛ وسيعملون على ترسيخه لدى مختلف القوى الحيّة في الوطن حتى تستعيد تونس عافيتها وتنهض من كبوتها…
« هلمّوا لتونس » وببساطة : تعيد المعالي وتبني الجديد.

Leave a comment